ابنا : فيما يلي يصف ليسنغ التقدم الضئيل على صعيد الإصلاحات التي أطلقها الملك عبد الله الذي يوصف غالبا في الصحافة الغربية بـ"الإصلاحي".
عندما غادرت برفقة زوجتي المجمع السكني الذي نقطنه في الرياض اقتربت منا رويدا رويدا سيارة جيب ووقف أمامنا رجل ملتح وخرج وسألني "هل هذه زوجتك؟ أريد أن أعطي لك بعض النصائح. لا تدعها تستخدم المكياج" قال عنصر الشرطة الدينية الذي كان يرتدي الثوب الأبيض التقليدي.
وأضاف وهو يلوح بأصبع السبابة ويرمقني بنظرة صارمة"اذا استخدمت زوجتك الماكياج فسيحدق الرجال في وجهها".
عندما تضع المرأة المكياج أو ترتدي لباسا لا يغطي كامل جسمها فإن هذا الامر سيمر مرور الكرام في معظم أنحاء العالم، ولكن في المملكة العربية السعودية يمكن أن يكون سببا كافيا للاعتقال بتهمة ارتكاب "سلوك غير اخلاقي".
تتصدى الشرطة الدينية التي تجوب الشوارع لتطبيق القيم السلوكية تبعا للنسخة السنية المتشددة من الإسلام، كانت تلك من أبرز التجارب المعيشية في المملكة العربية السعودية.
كما أنه تذكير بأن السعودية الدولة العربية الخليجية لا تزال بلدا شديد المحافظة على الرغم من الضجة في الغرب والتي تشيد بالاجراءات الاصلاحية للملك عبد الله على صعيد إصلاح التعليم الحكومي الذي عفا عليه الزمن أو تحرير الاقتصاد.
"المعتدل" و"الاصلاحي" وصفان دارجان للملك عبد الله من قبل الدبلوماسيين الغربيين والمثقفين ورجال الأعمال منذ توليه منصبه في عام 2005. حتى أن بعضهم يصفه بـ"الليبرالي".
ولكن خلال العامين التي قضيتها بصفتي مراسلا لرويترز في العاصمة السعودية، لم أتبين أي تغييرات في القانون الاجتماعي الذي يحظر بصرامة الاختلاط بين الرجال والنساء الذين لا تربطهم علاقة وإجبار المتاجر والمطاعم على الإغلاق خمس مرات في اليوم للصلاة.
في الواقع، لقد تكون لدي شعور بأن البلاد اتجهت أكثر قليلا نحو التشدد، ليس فقط بسبب عناصر الشرطة الدينية الذين يجوبون الشوارع.
بعد وقت قصير من وصولي، كان ضمن خطط الحكومة فتح باب التصويت في الانتخابات البلدية التي كانت تأمل النساء ان يشاركن فيها للمرة الأولى. وقد حرك ذلك آمال الإصلاحيين باتجاه إجراء تغييرات في البلاد التي لا يوجد بها برلمان منتخب أو أحزاب سياسية.
بعد ذلك بأسابيع، ألغت السلطات مهرجان السينما الوحيد في المملكة العربية السعودية. كنا مجموعة قليلة من الصحفيين الأجانب المعتمدين قد خططنا لتغطية الحدث في جدة، ولكن في اللحظة الأخيرة، قال لنا مسؤولون بأن المناسبة ألغيت.
لم يعط أي تفسير، ولكن دبلوماسيين أشاروا بأصابع الاتهام إلى وزير الداخلية الأمير نايف، وهو الاخ غير الشقيق لعبد الله والمحافظ الذي حصل على ترقية في مارس 2009، قد توصله إلى عرش المملكة ذات يوم.
الوصول إلى عمق القرار الحكومي كان أكبر تحد لي في بلد تشتهر بسريتها، ولكن بعد ترقية نايف، جائني شعور بأن ما تحقق من اصلاحات ضئيلة سرعان ما سيتلاشى قريبا.
تحطم صورة الاصلاح
المملكة العربية السعودية هو الملكية المطلقة التي تحكمها أسرة آل سعود في تحالف مع رجال الدين المحافظين الذين يخوضون معركة مستمرة مع الأمراء الأكثر انفتاحا، ونتيجة لذلك، ما يحدث بالفعل - خطوة واحدة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف.
صحيح، كان هناك خطوة إصلاحية واحدة بينما كنت هناك، وذلك مع إطلاق جامعة مختلطة بين الجنسين في أول سبتمبر 2009 «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية» بالقرب من جدة التي ظهرت بميزانية غير محدودة تقريبا.
انها خطوة جريئة لهذا البلد الذي تفرض فصلا صارما بين الجنسين، ولكن افتتاح الجامعة أعطي انطباعا بأن المملكة العربية السعودية كانت أكثر انشغالا بشأن بالتلميع وزخرفة الواجهات بدلا من التطلع إلى ركلة البداية التي تشتد الحاجة إليها في مجال إصلاح التعليم.
حضر إلى المملكة مئات من الأكاديميين والصحافيين والفائزين بجائزة نوبل الذي اجتمعوا في الحرم الجامعي، والتي بنيت في بقعة نائية بعيدا عن أعين المتطفلين من رجال الدين. حضرنا احتفالا ضخما، والتقى الطلاب والأساتذة الذين أثنوا على الحرية الأكاديمية.
تبين لي لاحقا أنه ليس هناك سوى عدد قليل من السعوديين بين الطلاب، وعندما حدثنا مسئولوا وكالة العلاقات العامة الخارجية في الحرم الجامعي لم يتحدثوا لنا عن حقيقة الرقابة على الإنترنت في الحرم الجامعي، كما في باقي السعودية.
بعد ذلك بوقت قصير، لم يعد مرحبا بالصحفيين وحتى بعض الأكاديميين ثبطوا عن زيارة الجامعة. وقد سمح بالتقاط القليل من الصور الفوتوغرافية للطلاب والطالبات الذين يدرسون معا تحسبا لانزعاج رجال الدين. وكأن الحكومة أرادت أن ينسى هذا المكان.
الصمت المطبق
تزايد الانطباع بشأن غياب الإصلاحات عندما بدأت الشائعات في التدفق حول صحة الملك في يوليو 2010 اثر الغاء زيارته الى فرنسا من دون تقديم سبب.
وكان من المستحيل معرفة أي شيء ملموس، ولكن شعرت بتباطؤ نشاط الحكومة. لم يحصل أي مشروع كبير حين كان عبد الله يخضع لعلاج الظهر في نيويورك حيث بقي بعيدا عن بلاده لمدة ثلاثة أشهر.
بالتأكيد لم تكن هناك أي مؤشرات على مشروع قانون تأخر كثيرا من شأنه مساعدة المواطنين السعوديين العاديين على الحصول على السكن بأسعار معقولة - وعلى اتصال بشأن هذه المسألة الحساسة لماذا كانت الأراضي مملوكة من أفراد العائلة الحاكمة.
منذ عودته الشهر الماضي، كشف عبدالله النقاب عن معونات قدرها 130 مليار دولار لعزل مملكته الغنية بالنفط عن الاحتجاجات التي ضربت الدول العربية الأخرى. كما انتقل أيضا الى تعزيز قوى الامن الداخلي والشرطة الدينية.
بعد ذلك بأيام فقط شاهدت رجال الشرطة الدينية يقودون سيارات الجيب رباعية الدفع في الحي الذي أسكنه وهم يحثون الناس عبر مكبرات الصوت على الذهاب إلى المسجد لصلاة العشاء.
الرياض التي تراقب الاحتجاجات العربية على حدودها، بات عملي فيها أصعب حيث أصبحت مصادر الاخبار والمعلقين أكثر ترددا في الحديث. وقد توقف نشر افتتاحيات الصحف المثيرة للجدل.
"لا تعليق لدي بعد الآن" قال لي واحد من أفضل مصادري الخبرية قبل أن أغادر البلاد.
بعد تغطيتي الخبرية للمظاهرات الشيعية في المنطقة الشرقية طرق عناصر المباحث باب غرفتي عند ساعات الفجر. وبعد أسبوع سحبت الحكومة اعتماد العمل الخاص بي.
على الرغم من هذه النهاية المفاجئة لمهمتي، غادرت وقد تركت خلفي ذكريات سعيدة كنت فيها بضيافة أصدقاء سعوديين كثرا.
ذات يوم، كنت أقود سيارتي برفقة زوجتي في الصحراء بالقرب من الحدود المضطربة مع اليمن وكنا في طريقنا للبحث عن النقوش الصخرية التي تعود للعصر الجاهلي وقد دخلت في طريق خاطئة علقت اثرها اطارات السيارة في الرمال.
عندها توقفت مزارع كان يمر بشاحنته الصغيرة وسأل ما إذا كان يمكنه تقديم المساعدة.
وقد جاهدت زوجتي كثيرا للتفاهم معه باللهجة المحلية مع ان اللغة العربية هي لغتها الأم، الرجل كان متواضعا وتقيا وكان يغض بصره كلما تحدثت معه زوجتي. استطاع اخراج سيارتنا بلمح البصر كما دعانا لتناول طعام الغداء.
انتهی/158